ابن حزم
35
رسائل ابن حزم الأندلسي
أثارتها قضية أخرى كانت قد دونت في مدرجة ملحقة برسالة ابن الحوات ، وهذه القضية هي : هل يتم إيمان المرء دون استدلال ذلك أن ابن الحوات مثل ابن حزم ينكر التقليد ، ومن أنكر التقليد توصل بسهولة إلى القول بان العقل الإنساني قادر على معرفة الله ، خصوماً وان الآيات التي تحض على استعمال النظر كثيرة ، وخصوماً وان ابن حزم نفسه - كما رأينا في رسالة سابقة - يستعمل الاستدلال طريقاً للإيمان . وجواب ابن حزم عن هذه القضية واضح صريح : نعم إنه يعرف علم الكلام وطرائق أهله في الاستدلال ، فهو لا يجهل ذلك ولا يمكن أن يتهم بأنه يعادي شيئاً لجهله به . وأنه يستعمل الاستدلال ويحسن استعماله حين يشاء ولكنه لا يراه فرضاً على الناس . بل المفروض على الناس الائتمار لما جاء به الوحي ، والآيات الواردة في القرآن حضت على النظر ، وثمة فرق شاسع بين الحض والأمر . وهو ينكر التقليد وينهى عنه ، ولكن لو أن إنساناً اهتدى إلى الحق عن طريق التقليد لكان مصيباً في الاهتداء إلى الحق مذموماً في المنهج الذي اختاره ؛ فالتقليد مذموم لكن إن أدى إلى باطل فقد أوقع صاحبه في الكفر أو الفسق ، وإن أدى إلى حق فقد جاء على صاحبه بالتوفيق ، ولكنه لم يبرئه من الذم . والفرق بينه وبين ابن الحوات أن هذا الثاني يريد أن يعمم رفض التقليد بحيث يتناول أيضاً عدم تقليد الرسول ، احتكاماً إلى العقل على طريقة المعتزلة والأشعرية ، بينا يرى ابن حزم ان التقليد هو تقليد كل إنسان دون الرسول ، فأما الأخذ بما جاء به الرسول فهو ائتمار لا تقليد . كذلك فإن ابن الحوات يرى أن الرسول لا تجب طاعته إلا بعد معرفة الله ، فمعرفة الله مقدمة على معرفة رسله ، أما ابن حزم فيرى أن العقل الإنساني لم يعط القدرة على ذلك ، وأنه لا وجوب لشيء إلا إذا دعا إليه الرسل ، ومعرفة الله قد وجبت على الناس بدعاء الرسل لا بقدرة العقل . فالعقل لا يحرم شيئاً ولا يوجبه وإنما فيه معرفة الأشياء على ما هي عليه . العقل قادر على التلقي والتفسير ولكنه لا يوجب حرمة لحم الخنزير أو أن تكون صلاة الظهر أربع ركعات . كل ما تطلبه الدين من الناس هو الإقرار بدعوة الإسلام وتحقيقها في القلوب ، ولكنهم لم يكلفوا المعرفة البرهانية ، ومعظم الأمة لا يعرف أن يتهجى كلمة " استدلال " ومع ذلك فغن الواحد فيهم يتحمل العذاب في سبيل دينه ، ويستحل دم أبيه إذا كفر . وبعد هذا الجدل النظري يعود ابن حزم بصديقه إلى الواقع العملي : فيتدرج به في